عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
63
اللباب في علوم الكتاب
الاحتراز عن الضّرر ، فلهذا السّبب رجّح اللّه جانب المنع . التّأويل الثّاني : أنّهم يدعون إلى ترك المحاربة والقتال ، وفي تركهما وجوب استحقاق النّار والعقاب ، والغرض منه أن يجعل هذا فرقا بين الذّمّيّة ، وغيرها ، فإنّ الذّمّيّة لا تحمل زوجها على المقاتلة . التّأويل الثالث : أنّ الولد الّذي يحدث ، ربّما دعاه الكافر إلى الكفر ، فيصير الكافر والولد من أهل النّار ، فهذا هو الدّعوة إلى النّار ، « وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ » حيث أمر بالتّزويج بالمسلمة ، حتى يكون الولد مسلما من أهل الجنّة . قوله : « وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ » فيه قولان : الأول : أنّ المعنى : وأولياء اللّه يدعون إلى الجنّة ، والمغفرة ، فلا جرم أنه ينبغي للعاقل ألّا يقرب من مشركة ، فإنّها من أعداء اللّه ، وأن ينكح المؤمنة ؛ لأنّها تدعو إلى الجنّة والمغفرة . الثاني : أنّه سبحانه وتعالى لمّا بيّن هذه الأحكام ، وأباح بعضها ، وحرّم بعضها قال « وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ » ؛ لأنّ من تمسّك بهما استحقّ الجنّة . و « المغفرة » الجمهور على جرّ « المغفرة » عطفا على « الجنّة » و « بإذنه » متعلّق ب « يدعو » أي : بتسهيله ، وتيسيره ، وتوفيقه ، وقيل بقضائه وإرادته . وفي غير هذه الآية تقدّمت « المغفرة » على الجنة : « سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ » و « سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ » ، وهذا هو الأصل ؛ لأنّ المغفرة سبب في دخول الجنّة ، وإنما أخّرت هنا للمقابلة ، فإنّ قبلها « يدعوا إلى النّار » ، فقدّم الجنّة ليقابل بها النّار لفظا ، ولتشوّق النّفوس إليها حين ذكر دعاء اللّه إليها ، فأتى بالأشرف . وقرأ الحسن « 1 » « والمغفرة بإذنه » على الابتداء والخبر ، أي : حاصلة بإذنه . ويبين آياته للناس لعلّهم يتذكّرون ، أي : أوامره ، ونواهيه . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 222 ] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( 222 ) « المحيض » فعل من الحيض ، ويراد به المصدر ، والزمان ، والمكان ، تقول : حاضت المرأة تحيض ، حيضا ومحيضا ، ومحاضا ، فبنوه على مفعل ومفعل بالكسر والفتح . واعلم أنّ في المفعل من يفعل بكسر العين ثلاثة مذاهب :
--> ( 1 ) انظر : الشواذ 13 ، والمحرر الوجيز 1 / 297 ، والبحر المحيط 2 / 176 ، والدر المصون 1 / 542 .